هاشم معروف الحسني
104
سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة )
في كل ذلك كان يفكر في غار حراء ليبلغ الحقيقة العليا ويخترق الحجب إلى ما وراء هذه المظاهر وهو على قناعة بأن ما يباشره قومه من شؤون الحياة وما يتقربون به إلى آلهتهم ما هو الا جهل وضلال وفي كل ساعة بل ولحظة يضيفون جهلا إلى جهل وضلالا إلى ضلال بعبادتهم للأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولا تخلق ولا ترزق ولا تدفع عن أحد غائلة شر يصيبه . ان هبل واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى وكل الأنصاب والأصنام التي تراكمت حول الكعبة وفي جوفها وعلى سطحها لم تخلق يوما ولو ذبابة ولم تدفع عن أحد شر ذبابة ولا صنعت لمكة وأهلها خيرا ، وما هي الا أخشاب وأحجار وتماثيل صنعها الانسان بيده واتجه إليها بقلبه ولسانه من دون اللّه جهلا وضلالا وكلما رآهم يلوذون بها تتلوى نفسه حسرة وحيرة ويتمنى عليهم ان يرجعوا إلى رشدهم فيعبدوا رب البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف . في غار حراء كان محمد بن عبد اللّه في شهر رمضان من كل عام قبيل مبعثه وقد اخذت سنه تتجه نحو الأربعين يتجه إلى اللّه خالق الكون بعقله وقلبه نائيا بجسمه وروحه عن أرجاس الجاهلية والوثنية ومساوئهما حتى بلغت نفسه الطاهرة مرتبة تنعكس فيها أشعة الغيب لا يرى رؤيا الا جاءت كفلق الصبح ، فإذا انقضى الشهر عاد إلى مكة وعلى وجهه الكريم شحوب وفي جسمه نحول مما كان يعانيه على قومه وعلى المستضعفين في الأرض فتستقبله زوجته الوفية الصادقة التي كانت تتلوى من اجله ولم تكن تعلم ما سيكون من امره . ثم يستأنف حياته العامة وإدارة شؤونه وأهل مكة وكل من عرفه من الاعراب خارجها ينظرون إليه باكبار واعجاب وهو مع كل ذلك يزداد تواضعا ووفاء وعطفا على الفقراء والمعذبين ، فإذا استدار العام وجاء الشهر الذي اعتاد ان يأوي فيه إلى حراء رجع إلى عبادة ربه وتفكيره وتأملاته ، ونفسه تزداد صفاء واشراقا والحقائق تنجلي لديه شيئا فشيئا وتنعكس على صفحات قلبه فيبصر في يومه ما سيكون في غده ، ثم يعود إلى ما بأيدي الناس من تراث الهداة الأولين